اهم الاخبارتقارير وحواراتمنوعات

تعرف على فلسفة الأرقام الاسلامية وكيف أحدثت ثورةً في حياة البشر!

النور نيوز/ بغداد
هناك الكثير من الأشياء التي نتعامل معها بصورة يومية، وربما بحكم عتيادنا عليها نعتبرها موجودة هكذا منذ البداية، لم يطرأ عليها أى تغيير، أو قد لا نعرف على وجه الدقة كيف تكونت في بداية الأمر. والأرقام – على إطلاقها – يمكننا اعتبارها واحدة من هذه الأمور الاعتيادية التي لا تثير التساؤل عن ماهيتها ولا كيفية عملها.

ربما يكون الإنسان قد عرف الأرقام قبل معرفة الكتابة؛ ذلك لأن التجارة والمعاملات المادية المباشرة – وهي أولى الممارسات الإنسانية – لا تستلزم بالضرورة لغة معقدة، بل يمكن الاستبدال بها – في هذه المعاملات – أشياء من قبيل عد أصابع اليد، أو القدم، للدلالة على الكمية أو السعر، كما يوضح الفيلسوف والباحث في تاريخ العلوم ديفيد سايكل باك من جامعة نورثويسترن الأمريكية.

فى بحث علمي نشرته جامعة كامبريدج بمجلة « أنتيوكتي» المهتمة بالدراسات الأثرية في يناير (كانون الثاني) 2015، يوضح ستيفين كريسوميلز – الأستاذ بجامعة واين الأمريكية – الأسبقية التاريخية للمصريين القدماء في اختراع أول نظام ترقيم مشفر بعد المقارنة بين الأرقام المصرية الموجودة في الوثائق المكتوبة بالخط الديموطيقي، ونظيرتها الأرقام اليونانية المخترعة حوالي القرن السادس قبل الميلاد.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن السومريين القدماء قد اخترعوا بدورهم ما يعرف بالنظام الستيني – الوحدة الأساسية فيه هي رقم 60، وليس رقم 10 كما في النظام العشري مثلًا – وهو النظام الذي ما زال مستخدمًا حتى اليوم في قياس الوقت والزوايا والإحداثيات الجغرافية.

ظلت الأرقام الرومانية – (باعتبار الرومان امتدادًا ثقافيًا لليونان)، وهي نظام يستخدم مجموعات من الحروف الأبجدية الرومانية – سائدة في أوروبا حتى انتشار نظام الترقيم الهندي والعربي أواخر القرن الرابع عشر، ولم يزل نظام الترقيم الهندي/العربي النظام الأكثر شيوعًا لتمثيل الأرقام في العالم اليوم.

كان مفتاح فعالية النظام هو رمز الصفر، الذي نعرف أقدم وجود له لدى السومريين حسبما أوضح روبرت كابلان في كتابه « التاريخ الطبيعي للصفر» وقد طوره علماء الرياضيات الهنود القدماء، حوالي عام 500 ميلاديًا ليقوم علماء الرياضيات العرب باستكمال المهمة بعد ذلك.

هل تكره القسمة المطولة؟ إذًا جرّبها بالأرقام الرومانية


جميعنا في مرحلة ما درس القسمة بشكل عام و القسمة المطولة بشكل خاص، وحتى نستطيع أن نعرف حجم الإنجاز الاسلامي العربي المستخدم في عملية القسمة تلك، علينا تخيل القيام بعملية قسمة مطولة باستخدام الأرقام الرومانية، التي هي في جوهرها عبارة عن سبعة رموز رياضية تستخدم للتعبير عن الأرقام ومن ثم يعاد تكرارها مرة أخرى بعد تخطى الرقم سبعة.

بمعنى أنك إذا أردت القول 775 سيكون عليك كتابة 700 وحدها، ثم 70 وحدها ( عبارة عن 10 + سبعة) ثم خمسة. وهي عملية قد تستغرق ساعات طويلة من كتابة الأرقام الرومانية للخروج بحل عملية حسابية بسيطة، فتخيل أن تُستعمل أرقام طويلة و بدائية – بعض الشيء – كهذه في عمليات التجارة والبيع والشراء التي تحتاج بدورها للسرعة والدقة والإنجاز!

وانطلاقًا من هذه النقطة تحديدًا يمكننا إدراك أهمية الإنجاز الرياضي العربي في تقديم الأرقام العربية التي هي في جوهرها عبارة عن رقم يدل شكله على قيمته العددية، فلو نظرت لرقم ثلاثة (3) بالإنجليزية (وهو الأصل العربي للرقم) ستجده عبارة عن ثلاثة خطوط ليعبر عن قيمة الرقم نفسه، وكذلك الأمر مع الأرقام أربعة وخمسة وستة إلى آخره.

كان هذا الإنجاز الاسلامي العربي انجازًا ثوريًا بمقاييس ذلك العصر، فقد استطاع علماء الرياضيات والتجار الأوروبيون التخلص من النظام الروماني البطيء وصعب الاستخدام في العمليات الحسابية الكبيرة والمعقدة، بعدما فتح المسلمون آفاقًا جديدة لعلم الرياضيات والإمكانات التي يمكن تطويرها منه بتحويلهم الأرقام إلى لغة عالمية يسهل إدراك قيمتها العددية بمجرد النظر إلى شكلها دون الحاجة إلى معرفة اللغة اللاتينية، كالنظام الروماني.

وقد نقل كل من الخوارزمي والكندي – وهما من كبار علماء الرياضيات – نظام الأرقام العربية المطورة عن نظيرتها الهندية إلى أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي.
،ة
وقد جرى استخدام الأرقام العربية في أعمال الحسابات الأوروبية بعد حوالي خمسة قرون من ظهورها بين الباحثين وعلماء الرياضيات حسب الدراسة التي قام بنشرها جون دورام الأستاذ بجامعة فورت هايس الأمريكية في ديسمبر (كانون الأول) 1992، بدورية مؤرخي الحسابات الصادرة عن أكاديمية مؤرخي الحسابات.

تجدر الإشارة إلى أن ما نعرفه اليوم بالأرقام الإنجليزية هي أرقام العربية، أما ما نستخدمه حاليًا كأرقام عربية فهي في الأصل هندية.

بدأت قصة الأرقام العربية عند المسلمين إلى عام 154هـ \ 771م، عندما وفد إلى بلاط الخليفة العباسي المنصور فلكي هندي، ومعه كتاب مشهور في الفلك والرياضيات هو “سدهانتا” لمؤلفه براهما جوبتا الذي وضعه في حوالي عام 6هـ \ 628م مستخدماً فيه الأرقام التسعة: ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ قبل أن يضيف العرب بعد ذلك الصفر.

وأمر المنصور بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وبأن يؤلف كتاب على نهجه يشرح للعرب سير الكواكب، وعهد بهذا العمل إلى الفلكي محمد بن إبراهيم الفزاري، الذي ألف على نهجه كتاباً أسماه السند هند الكبير واللفظة “سند هند” تعني باللغة الهندية (السنسكريتية) “الخلود”.

وقد أخذ العرب بهذا الكتاب حتى عصر الخليفة المأمون. وفي عام 198هـ \ 813م استخدم الخوارزمي الأرقام الهندية في الأزياج، ثم نشر في عام 210هـ \ 825م رسالة تعرف في اللاتينية باسم Algoritmi de numero Indorum اي “الخوارزمي عن الأرقام الهندية”. وما لبث لفظ الجورثم أو الجورسم أن أصبح معناه في أوروبا في العصور الوسطى طريقة حسابية تقوم على النظام العشري.

وعرفت هذه الأرقام أيضاً بالأرقام الخوارزمية نسبة إلى الخوارزمي. ومن هذا الكتاب عرف المسلمون حساب الهنود، وأخذوا عنه نظام الترقيم، إذ وجدوه أفضل من حساب الجمل أو حساب أبجد المعمول به عندهم.

وقام الخوارزمي باختراع مجموعة أخرى من الأرقام تُعرف اليوم باسم الأرقام العربية، لكنها لم تحظ بانتشار واسع. وفيما بعد استعملها العرب في الأندلس والمغرب العربي، ومن هناك انتشرت إلى أوربا، ثم انتشرت في أنحاء العالم كله على الشكل التالي: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9.

وتعرف الأرقام العربية كذلك بالأرقام الغُبَارِيَّة.

وسميت هذه الأرقام بالغبارية لأنها كانت تُكتب في بادئ الأمر بالإصبع أو بقلم من البوص على لوحٍ أو منضدةٍ مغطاة بطبقة رقيقة من التراب. وقد قام الخوارزمي بتصميم تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة أو القائمة) التي يضمها كل رقم. فالرقم واحد يتضمن زاوية واحدة، ورقم اثنان يتضمن زاويتين، والرقم ثلاثة يتضمن ثلاث زوايا – إلخ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى