اخبار العراقاقتصاداهم الاخبارتقارير وحوارات

“لغز”الغاز المصاحب للنفط.. سنوات من السرطان وهدر المليارات “تقرير”

بغداد/ النور نيوز

على الرغم من نجاح العراق في تطوير حقوله النفطية بعد عقد من بدء تنفيذ عقود جولات التراخيص مع الشركات العالمية، فإن قضية استثمار الغاز الذي يُحرق في الحقول العراقية مثلت مشكلةً حقيقيةً للدولة، سواء اقتصادياً مع فاتورة تبلغ أكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً، أو بيئياً مع تأثيراتها السلبية، لا سيما في مدينة البصرة، حيث يُحرق سنوياً بحسب تقديرات لجنة النفط البرلمانية ووزارة التخطيط العراقية، ما يصل إلى نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز.

وأعلن وزير النفط العراقي إحسان عبدالجبار، الشهر الماضي، عن استثمار 3 مليارات دولار في مجال إنتاج الغاز في البصرة جنوبي البلاد، خلال السنوات الخمس المقبلة.

وبحسب الخطة التي أعلنها عبدالجبار، فإن الخطة الاستثمارية التي تم إقرارها، تهدف لإضافة 1.4 مليار قدم مكعبة من الغاز المصاحب يوميا، ستوفر نحو ألفي درجة وظيفية خلال مدة تنفيذها.

مخزونات هائلة

ويبلغ إنتاج العراق الحالي من الغاز الطبيعي المصاحب 2.7 مليار قدم مكعبة يوميا، ويستهدف وصوله إلى 3.1 مليارات قدم مكعبة.

ووفق تقديرات سابقة، يمتلك العراق مخزونا قدره 132 تريليون قدم مكعبة من الغاز، جرى إحراق 700 مليار قدم مكعبة منها، نتيجة ضعف القدرة على استغلاله.

وما يزال العراق يستورد الغاز من إيران، عبر أنبوبين بواقع نحو 20 مليون قدم مكعبة يوميا، لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية في البلاد، في حين تبلغ حاجة البلاد نحو 70 مليون قدم مكعبة يوميا.

وتؤشر خارطة الغاز إلى العراق، إلى وجود، عدة مشاريع، قيد التنفيذ أبرزها؛ مشروع غاز الناصرية بطاقة 200 مليون قدم مكعب في اليوم، إضافة الى مشروع غاز الحلفاية بـطاقة 300 مليون قدم مكعب في اليوم، ومشروع غاز ارطاوي في محافظة البصرة بـطاقة 400 مليون قدم مكعب في اليوم، ومشروع ارطاوي غاز الجنوب بطاقة 300 مليون قدم مكعب في اليوم، فضلاً عن توجه جديد، نحو عقل عكاز في محافظة الأنبار.

والأسبوع الماضي، أعلنت وزارة النفط افتتاح محطة لإنتاج الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بطاقة 20 مليون قدم مكعب قياسية يومياً في حقل “أبو غرب / الجنوب 1” بمحافظة ميسان جنوبي البلاد.

وقال وزير النفط إحسان عبد الجبار في بيان تلقى “النور نيوز” نسخة منه، إن “الطاقة الانتاجية للمشروع تبلغ 100 ألف برميل من النفط وأكثر من 20 مقمق يوميا (المقمق يعادل مليون قدم مكعب قياسي باليوم)، تضاف إلى الانتاج الوطني لرفد محطات الطاقة الكهربائية بوقود الغاز”.

وتتولى شركة “سينوك” الصينية تطوير حقل “أبو غرب” في محافظة ميسان.

لغز العوائق

مسؤول في وزارة النفط العراقية، قال إن “ملف الغاز المصاحب، يشوبه الكثير من الغموض، وغياب الشفافية، والتأخير في إنجاز المشاريع، حيث كان هذا التأخير سمة سائدة، خلال السنوات الماضية، حيث وصلنا إلى دوامة، ربما لا يمكننا الخروج منها، وهذا يعود إلى التخطيط غير السليم، وهنا لا يمكن نسيان الأوضاع التي مر بها العراق، والحروب التي عاشها”.

ويضيف المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه لـ “النور نيوز” أن “جولات التراخيص التي عقدها العراق مع الدول الأجنبية، لإدارة حقوله النفطية، تضمنت بنوداً واضحة، فيما يتعلق باستثمار الغاز المصاحب (وربما هذا سر)، لكن ما رأيناه تلكؤ هذه الشركات، بإطلاق مشاريع حقيقية، بشأن الغاز، على رغم الجودة النسبية، في المشاريع النفطية، وهو ما جعل المسؤولين المتعاقبين، بين المطرقة والسندان، بشأن التعامل مع هذه الشركات”.

وتابع أن “عدم تنفيذ هذه المشاريع من قبل الشركات النفطية، يعود إلى ضخامة وتكلفة هذه المشروعات، على رغم الربحية المتحققة، على المدى البعيد، فضلاً عن جود رغبة لدى البعض، لكنها خفية، تريد دائماً ترحيل ملف الغاز المصاحب، أو تأجيله، أو التماهي مع الوضع القائم، وهو ما كانت نتيجته الحالية، التي يراها العالم أجمع”.

شراء بأسعار مضاعفة

وينتج العراق في الوقت الحالي، جزءاً من الغاز المصاحب للنفط، من بعض الحقول، غير أنه لم يستكمل الكثير من المشاريع، التي تعطل بعضها، وتلكأ الآخر، فيما تواجه حقول أخرى، روتيناً قاتلاً.  

وتشير بيانات شركة بريتش بتروليوم البريطانية، إلى أن العراق يشتري الغاز الإيراني بسعر 11.23 دولاراً لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بنحو 6.49 دولاراً تدفعها الكويت لشراء الغاز المسال.

ويقول تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن العراق يبدد حالياً ما يقرب من 2.5 مليار دولار سنويا نتيجة حرقه الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط والذي يصل إلى 1.55 مليار قدم مكعب يومياً أي ما يعادل 10 أضعاف الكمية المستوردة من إيران.

سموم تنشر السرطان

في محافظة البصرة، يقول سكان بلدة نهر عمر، التي تقع بجوار عدة آبار نفطية في جنوب العراق، إن ألسنة اللهب المتصاعدة من الأبراج تنشر السموم في الهواء لتحول الأخضر إلى يابس.

ونقل تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية (INDEPENDENT) مؤخراً، عن خبراء أن حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط يعد العامل الرئيسي لتلوث المناخ، ويشكل خطرا داهما على صحة الذين يعيشون في الجوار، مسببة الإصابة بالربو وأمراض الرئة والجلد والسرطان.

ووفقا لرئيس بلدية نهر عمر، ارتفعت معدلات الإصابة بالسرطان على مدى العقد الماضي بنسبة 50%، بوجود 150 حالة ضمن 1600 ساكن.

ويقول محمد حسن (43 عاما)، إنه عندما أخذ ابنه ذا الـ14 عاما إلى الطبيب تبين إصابته بسرطان النخاع العظمي، وعندما رأى الطبيب انحناء عموده الفقري وبشرته الشاحبة، سأله أين يسكن، وعندما عرف أنه من نهر عمر، أدرك الطبيب خطورة وضعهم الصحي الناجم عن التلوث. وفق ما نقلت الصيحفة.

ضحايا بأرقام “مرعبة”

الخبير في الشأن الاقتصادي العراقي مازن الأشيقر

ومع أن البلاد مرت بحروب خلال عقدين، فإن جاسم عبدالعزيز حمادي، الوكيل الفني لوزارة البيئة والصحة، يصنف تلوث الهواء كواحدة من أكبر الأزمات التي يواجهها العراق. حتى أن دراسة العبء العالمي للأمراض، وهي أكبر دراسة للصحة العامة في العالم، وجدت أن عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم بسبب تلوث الهواء يفوق عدد الوفيات المسجلة منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003.

الخبير في الشأن الاقتصادي العراقي، مازن الأشيقر يرى أن “العراق بحاجة إلى الاستثمار في مجال الغاز، في ظل تناقص احتياطات النفط عالمياً، ما يشجع التوجه نحو البديل، وهو الغاز، خاصة وأن حقول الأنبار فيها كميات كبيرة من الغاز تعادل ما موجود في دولة قطر، وهي جغرافياً أقرب إلى أوروبا، من الحقول الإيرانية، أو القطرية، ما يعني أن استثمارها مربح بشكل كبير”.

وأضاف الأشيقر لـ”النور نيوز” أن ” العراق بحاجة إلى الخروج من العراقيل التي تواجهه بسبب استيراد الغاز من إيران، في ظل التوجه العالمي نحو الاستثمار في هذا الوقود، ما يحتم علينا إعادة التموضع، وتعديل المسار، واختيار ما يناسب الوضع العراقي، ومنح الاستثمار وفق الطرق القانونية لا غير”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى